أبو علي سينا

24

التعليقات

القوى البدنية تمنع النفس عن التفرد بذاتها وخاص إدراكاتها : فهي تدرك الأشياء متخيّلة لا معقولة لانجذابها إليها واستيلائها عليها ، ولأنها لم تألف العقليات ولم تعرفها ، بل نشأت على الحسيات فهي تطمئن إليها وتثق بها وتتوهم أن لا وجود للعقليات وإنما هي أوهام مرسلة . المعقول من الشخص والمحسوس منه يتطابقان ، كما ذكر . إلا أن المعقول من الشخصي الذي نوعه مجموع في شخصه وإن كان يطابق محسوسه في الوجود فلا يمتنع في العقل أن يكون كليا بأن يتصوره كليا ، ولو كان في الوجود غير جائز ويحمله على كثيرين . وفي الأول كان هذا التصور ممتنعا . والمعقول من هذا الكسوف الجزئي وإن كان يلزم أن يطابق محسوسه فيكون جزئيا فاسدا فإن الأول لم تستفد معقوليته من حسيته ، بل علمه من الأسباب الموجبة له والصفات الكلية التي تخصصت بها فيكون معقوله منه كليا لأن الأسباب والصفات كلية بحيث يصح حمله على كثيرين . فلما تخصصت بهذا الكسوف الشخصي صار كلّ واحد من تلك الأسباب والصفات نوعا مجموعا في شخصه ، فصار بحيث لا يحمل عليه وحده . وتلك الأسباب والصفات هي أن يقال في هذا الكسوف إنه عن حركات للسماويات تأدت إلى اجتماع هذه الصفة ، وأنه كان بعد حركة كذا وفي الدورة الفلانية من كذا ، وأنه على وضع كذا وفي ناحية المشرق هو أو في المغرب ، وأنه في ناحية الشمال أو الجنوب ، وأنه على مقدار النصف منه أو الثلث ، وأنه على هذا اللون - فهذه صفات يمكن أن تعتبر كليا ، فتخصصت بهذا الشخص فصار كل واحد منها نوعا مجموعا في شخصه ، والأشياء التي شخصت هذا الكسوف - وهو النهار الجزئي الذي حدث فيه والحالة الجزئية التي كانت له - لكل واحد منها صفات كلية إذا تخصصت به شخصا كان بمنزلة الكسوف وأسبابه وصفاته ، فيكون كلّ واحد من تلك الصفات نوعا مجموعا في شخصه . والنوع المجموع في شخصه يكون له معقول كلىّ فلا يفسد العلم به ولا يتغير ، فمعقول الأول من هذا الكسوف على هذا الوجه لا يتغير . قوله « 1 » : « لكنك تعلم بحجة أن ذلك الكسوف يكون واحدا » - معناه أنه لا يمكن أن يكون في زمان واحد إلا كسوف واحد ، لأن الشمس التي هي موضوع الكسوف واحد . ذلك الكسوف الشخصي إذا علم من جهة أسبابه وصفاته الكلية التي يكون كلّ واحد منها نوعا مجموعا في شخصه ، كان العلم به كليا ؛ والكسوف وإن كان شخصيا فإنه عند ذلك يصير كليا ، ويكون نوعا مجموعا في شخص ، والنوع المجموع في شخص له معقول كلى لا يتغير . وما يسند إليه من صفاته وأحواله يكون مدركا بالعقل

--> ( 1 ) لا يتضح من القائل هاهنا .